مرت به ، أحس بشيء ما يتسرب شبما إلى جوانه ، سمع للقلب نبضا لم يأفه من قبل ، حاول أن يكلم الظل الذي احدث فيه كل هذا الآضطراب والارتعاش وهو الذي نسي مثل هذا منذ أن غادر جنان النضارة إلى فيافي الشيخوخة ، لكنه رغم هذا ، أصر ان يقتفي أثر هذا الظل لعله يرتدي بعض الدفء الذي فقده قبل الآن ، وها هو يأتيه كعاصفة نوى . عاد أدراجه ، محاولا أن يستبق ظل الظل ، حتى إذا ما فاته بخوات انقلب إلى من حث أقبل ، وهو يختلس من طرف عينيه بصبصة ، لعله يمسك بأطراف نبضه المنغلت ، فيعيده إلى مساره المعتاد ، حتى غذا ما اقترب ، أرسل لحظة من خلف نظارته السوداء ، أحس أن بريق عينيه فرسا جامحة تريد أن يسبق ظله الذي عركته سنوات لم يدر كيف مرت رغم عناده وصراره حتى تيقن أنه هزم عدوه العنيد . ارسل ريق عينيه ، لم تحجبه نظارته السوداء ، فالحب قد اعتق عينيه ، وتكلمت حتى كلمته أو كاد أن يمزق أجفانه ، حاول فتح حنجرته ولو بهمس خفي ، لم يقدر ، لكنه تنهد وشكا ، لأنها تجاهلته أو حتى نسيته رغم قطوف الياسمين والورد الأحمر الذي أهداها عند فجر تلك الأيام التي حسبها أيام المروج البساط الدائم . حين لم يجد سوى صدى تنهده يشق صدره أو يكاد ، فات وهو يحمل بقايا تلك الباقات القديمة ، لكنه بدأ يسبح بين موج متلاطم عات ، حاول أن ينسل بين مداراته الدوامة ، لكنه لم يفلح إلا بعد أن كابد ، وهو يبتسم ، وظل رفيقه يقف عند مشارف الشارع المزدحم . حينها سأل رفيقه ــ ماالذي أحدثتَه ، حتى أتلقى كل هذه اللامبالاة . ولما لم يتلق جوابا ، راح يقلب في سجلات ما مضى ، كانت تلمع كسراب حولها أفرشة ولهى حائرة بين ظمإ يغص في حناجرها، ومراياات أحلام لم تتزين ، فتطفو حبيبات السراب رشاشا ، يحس بها تقترب منه ، لكنها تشطن بعيدا عنه ، كلما اقترب منها مثل السراب ؛ فتعلو محياه وجمة أسى ، حتى إذا مر بظل غيره انتفض ، واقشعر ، وآب إلى واقعه ، فيتذكر ما قرأه قديما " للكآبة أيد حريرية الملامس ، قوية الأعصاب ، تقبض القلوب ، وتؤلمها الوحدة ، فالوحدة حليفة الكآبة ، كما أنها أليفة ، كل حركة شبيهة بالزنبقة البيضاء عند خروجها من الكمام ترتعش أمام النسيم، وتفتح قلبها لأشعة الفجر ، وتضم أوراقها بمرور أخيلة المساء " . هكذا هو . . . ابتسم حين مرت نسمة بين هذه الظلال المزدحم حوله . التفت يمنة ويسرة . . . اطمأن قليلا ، وأَنْظَرَ أخيلة المساء إلى أن يتوسد ذراعه عندما يجِن المساء ، ويرتدي قشاشيب اليقظة ، حينها يسعد بحديث نفسه إلى نفسه ، بما تبوح به في غفلة أذان السامعين ، اوهُم المسترقون السمع وهم يحتاطون من أن ترجمهم شهب السر الذي كمنه في جوانه كل هذا الردح السراب . أخيرا . . . أحس شيئا ما انفلت منه ، وسقط في جب عميق . . . وأغمض عينيه ، وخده يتوسد ذراعه ، لعل حديث النفس للنفس يبوح بما لم يسترق سمعه من ظلها الذي غفل عنه ، وكأنه ما كان يوما ما تفيأت تستظل به . تابع السير في الشارع الطويل الذي بدأ يدنو من نهايته ، لكنه لم يفقد المل في أن تزهر زهرة الفيافي يوما ما ؛ " زهرة الخبز السحري "
via منتديات مجلة أنهار الأدبية http://www.anhaar.com/vb/showthread.php?t=35094&goto=newpost
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق