الخميس، 19 ديسمبر 2013

وبكى الصغير

وبكى الصغير



أدركت قطار الزواج في الثلاثين وتزوجت أبوهم بعد طلاق أمهم، حركتي دؤوب في أروقة المنزل، ألبي احتياجاتهم الملحّة للجدّة العجوز والأولاد، تسأل ليلى بخجل ضخّ الدم لصدغيها، وبصوت تغلّفه بحّة وضحكة هامسة"خالتي، أرغب في مناداتك ماما" عانقتها فرحة، والتفت إلى هدى فرأيت وجهها يغرق في هالة وردية ساقطة من نوافذ البيت العتيقة والمتسربلة بأضواء الصباح،وسألت بكلمات آتية من مكان سحيق:لم لا تنجبين لنا أخا؟الحيرة سجنتني في أجواء الصمت وعصفت بكياني إذ أثبتت التحاليل والفحوصات إنها لا عوائق للإنجاب لديّ، والسؤال فتح مغاليق أغلى الأماني واجتاحتني رغبة ظمأى للأمومة، فاحتضنتهم"لكم غلاوة أولادي"وانزويت أمسح دمعا غلبني. .

حدث ما لم أتوقعه واعتراني همّ كبير، فسألتني زميلتي في العمل عن السبب! ونظراتها تدعوني لإفراغ شحنات عذاب أذابتني: بالأمس عدت للبيت وكان يضج بشغب الأولاد، أقبل الصغير يطلب طعاما، وليلى تريد أن أساعدها في حلّ الواجب المدرسي، العبء ثقيل، فقدت خُطاي الطريق وشدتني النظرات إلى غرفة نومي المغلقة وإضاءتها الخافتة،لاح لي خيال حركة في السرير، سألت هدى من يوجد في الغرفة؟ ردّت باستياء" أمي وأبي"اندفعت كمجنونة للغرفة، وهالني رؤية مشهد الخيانة، نقلت نظرتي المنذرة بينهما والمخاوف تصعقني،صرخت:ماذا يحدث في غرفتي؟

ردّ ببلادة سمجة: لا تجزعي تريد أن ترى أولادها!!

صرخت بقهر:كيف، وأنت واقع معها في شرك عشق نصبته بنذالة لك؟

: لم نفعل شيئا بل هو حنين للأيام الخوالي.

: أحنين وهي طليقتك وزوجة لرجل آخر، أريد تفسيرا للحرام الذي يجري في حياتك؟ صمت احتوى المكان، وكل ما بدا لي إثما موقوتا، وانسحبتْ كأفعوان دون أن تلتفت إلى أولادها، متجاهلة نظراتهم الباردة، انفلت مني صوت باك محترق النشيج: ما هذا الضياع؟ لم أسألك يوما عن سبب طلاقها، لكن لم طلقتها وأنت راغب فيها، لم تزوجتني؟



تضاربت الأفكار ورأيت شيئا مهينا في نظرة رجل ماتت فيه مروءته، وتراءى لي بأنه مسكون بفكرة أن يمارس معها حبا مجنونا، فمدّ إصبعه متتبعا خطّ الدمع على وجنتي اللاهبة وردّ باقتضاب وقد عبق العرق على صدغية ورقّ وهج الجنون في عينيه: أنت رزينة، أحبك واحترمك وأقدرك، لكنك تفتقدين لهيب أنوثتها،وهذا ما يجرفني بشوق إليها، إن ابتعدت عنها تلهبني وإن اقتربت منها تحرقني، فطلقتها لشكوكي بإخلاصها لي.

لاذ إلى صمت بليد، وتأجج اضطرابي ثمّ هدأتُ حين لفحتني برودة الليل.

تهت داخل دوامة أفكاري وعددت ما حدث نزوة لن تتكرر، وبعد مدة طالبته بعمل تحليل خصوبة قد يكون لديه عقم مؤقت، رفض معتزا"أنا عندي أولاد"ولكنّه رضخ ترضية لي بعد تلك الحادثة المزرية، ظهرت النتيجة المذهلة كقنبلة موقوتة وكلمات الطبيبة تؤكد أن هذا الرجل يستحيل أن يكون قد أنجب ولن ينجب"عقم أبدي"حاولت التكتم على ذلك السر المهين ونظراتي تلاحق الأولاد، من هؤلاء؟؟ عرضت عليه التقرير وكان سبيلا لإسقاط كلّ الأقنعة لرجل صعقته النتيجة ونظر إليّ نظرة تفتقر للفراغ البريء والإيحاء الساذج، وثار مؤججا حميّة الرجال، دخلت أمّه في حمئة الحوار تفرك عينيها المنتفخة بالرقاد وتتشابك فيهما خيوط التقوى بخيوط المكر، نطقت مراوغة لكلمات تحتفظ بإيحاءات إيقاعها"لم هذا التوتر، الحكاية لا تحتاج كلّ هذا الصراع" وانبرى أخوه الصايع في معترك الحوار مثيرا ذلك الارتطام المباغت، ممزقا سكينة من أتقنوا طقس دفن الفضيحة،"لا تفعلوا من الحبة قبّة" ردت عليه أمّه: أنت لا تخلع قناع إبليس قبل مواجهة شياطينه، ونظرتْ إلى زوجي مواسية"لا تحزن أولادك ليسوا أغرابا، كثيرا ما شاهدت هذا الساقط يخرج من غرفة طليقتك العاهرة" أبصرت وجوها تخفي خلفها وجوه محمّلة بهذا الكم من التناقض في إباحة الحرام وتجمدت الكلمات في حلقي وسقطت في لجة الصراع، وأغلقت باب غرفتي على نفس تاهت في وبال الشر.

في اليوم التالي التقيت بأخيه السافل عند مدخل المنزل، وتعززت هيئته غير الإنسانية بالخبث المعتق وتغاضى عن نظراتي بدافع النزق، ومضى ينخسه شيطان التحدي ورمى بكلمته: إن كانت لديك رغبة بالإنجاب أنا جاهز، صفعته قائلة: لن أعيش في أسرة تمارس الحرام والرذيلة، وتستسلم له كما تلوك اللبان، ردّ بوقاحة: "لم أنت منفعلة كأنك قديسة"حملت حقيبتي وأردت الخروج وترك هذا الوكر الذي كل أنفاسه حرام، لكنّ الصغير بكى، وهو ممسك طرف ردائي ودمعة ضياع في عينيه: ماما"ببّي، حمّام"، تلك الدمعة جعلتني أعيد الحقيبة إلى مكانها وتسربت السكينة لقلبي، وحملته ليقضي حاجة، قبلني من وجنتي ورمي رأسه بأمان على كتفي، نظرت إلية وعيناي تذرفان دما، قررت أن أكون أمّا لهم لأنال الأجر من رب العالمين، وقد منحوا حياتي معنىً وحبا وسعادة وأدركت لو أنّ الناس أرادوا حياة سعيدة فليفسحوا مجرى لغدران المحبة في قلوبهم، مرت السنون، الليلة زفاف ليلى وهي تهمس لي: لا يهم من وضع البذرة، بالحب صرت أمّا لنا وأعطيتنا معنى للحياة النقيّة.





via منتديات مجلة أنهار الأدبية http://www.anhaar.com/vb/showthread.php?t=35071&goto=newpost

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق