وهو يمر بساحة جامع الفنا ، تذكر أنه حين كان يخلو له جو بعد الانتهاء من واجباته المنزلية ، يسعى بخبب وانشراح إلى هذه الساحة الفيحاء في وسط مدينته الوردة الحمراء ، هذه الساحة التي ما زالت تعج بحلْقات الفرجة التي طالما خففت من عبء التكالف المدرسية التي كانت تنهكه ، فتحدث له نَصَبا ولُغوبا يئن منه كاهله الصغير . كان الصغير يتجول في عوالم هذه الساحة ، التي تعج بحلقات من أطياف من البشر ، هنا ، أو هناك ؛ لكل حلقة رواد وحصيرة تختلف عن الثانية أو الأخيات ؛ تكون الحصيرة هي ركح الفرجة ، يتحرك عليها السادة الحوات ؛ كان يتنقل بينها كما كان يتنقل وأترابه على مدارج الحجلة . تتلقفه أولى الحلْقات ، حصيرة القرداتي الذي يراقص قروده في تشقلبات بهلوانية تزيل بعض ما علق بكاهله من الواجبات المدرسية التي كادت تضعف طفولته ، ينبسط لكنه لايقهقه مثل الاخرين ، بعدها يتنقل إلى ركح حوي الثعابين والحيات تلك التي كثيرا ما أقضت منامه وأحلامه وهومستسلم النعاس ، كان الحاوي يُغَيِّطُُ بالغيطة ، ولما ترى تلك الحيات حركات مديرها تتراقص مثل العرائس في تمايل وخفة في رشاقة قنا الخيزران ؛ فكان يشعر كأنه فراش يلتقط شهد الرحيق العبق الذي ماأن يقوي ذاكرته ، ويشحد همته ،حتى يترك الحيات والحاوي وكالٌّ منهما يتربص بصاحبة لحظة الغفلة أو السلو . وبين أجواق غناء شعبية ، و اللاعبين بالحيات والقردة ، وبين الحكواتي الذي يسرد حكايات عن مغامرات شهرزاد الألف وليلة ، وبطولة عنترة بن شداد ،والبطل سيف ذي اليزن ، و هذه كانت من الحلقات المفضلة عنده لأنها كانت تنعش في برعم طفولته تلك الشحنات الحامية ، والحمية الصادقة ، بما كان يتميز به الحكواتي من حسن السرد والتشخيص ؛ لذلك تراه يقترب شيئا فشيئا ، حتى إذا ما وصله صوت مجلجل قوي النبرات ، ينم عن إيحاءات ، أسرع نحوه منشرحا باسما يفضحه بريق عينيه ، حتى إذا وصل بخطاه إلى سور الحصن الحلقة ، دفع بجسمه الصغير ، وأحدث مسربا بين المتحلقين حتى ينكشف إلى الداخل بعد عناء ، فيقرفص ، ويجلس شوّافا ببصره الصغيرتين ، لايدبدب له عضل ، فالرجل الذي يصول ويجول على ركح الحصيرة يعرف جيدا معاني ما يسرد ، فهو البطل المغوار الذي لايُهزم ، وحتى إذا ما نالته ملمة تألم وصاح ، فترى المتحلقين يتأوهون ويعبسون ، لكن بحنكة الحكواتي البارع كان يعود بهم إلى جنان الانشراح و الانبساط ؛ لحنكته ، ودرايته بخبايا من حوله ، فيضع عُصية السرد والحكمة جانبا ، ويعد البندير الذي كان قبل قليل أحد طبول الحرب ، ليكون طبلا للحرب ضد السغب والفاقة ؛ فكان المتفرجين يرمون بما ملكت راحتهم ، وكأنهم يرمون الجمرات في وجه إبليس في عرفات ؛ ولما كان الغلام لايجد ما يجود به ، ينسل متسللا بين شقوق الحصن مبتعدا متخفيا .
يبتعد بظله الضئيل بين خنادق الحلْقات ، وهو يحلم لو كان ذالك البطل عنترة ، أو الملك سيف ، حتى يحقق أحلامه التي تنازعه وجوده تحت لفحة الشمس هذه .
الدارالبيضاء 20 / 03 / 2014
via منتديات مجلة أنهار الأدبية http://ift.tt/NMndDR
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق