الأحد، 22 سبتمبر 2013

أحلام عذراء..



كانت قد أكملت للتو دراستها الثانوية حينما تقدم لها للزواج، يكبرها بأكثر من عشر سنوات، لم تكن تعرف عنه الكثير حين تقدم لخطبتها، كانت تعرف عنه أنه ذو صلة قرابة بعيدة بأمها متنتها حرص والدتها على مواصلة الأقربين وتبادل الزيارات، لم تسمع عنه حتى في المسامرات الجانبية ما يسئ أو يحسب عليه فالجميع يشهد له بأنه طيب الخلق، لطيفاً ومتواصلاً مع الجميع، ولعل هذه الصفات هي التي جعلت أسرتها تتلقف طلبه بشيء من الجدية والاهتمام، كان أول من أخبرها بعرض الزواج أمها التي اجتهدت في تعداد مزايا العريس الجديد وصفاته وأخلاقه واختتمت حديثها بعبارات عن خبرتها في الحياة ورؤيتها كإمرأة متزوجة ثم تركت لها الخيار والاختيار، لم تكن قد نضجت بعد ففي داخلها بقايا طفلة ومشروع إمرأة وكان هذا كفيلاً بأن يشوش الصورة في عقلها تماماً ويجعله مثل واجهات الزجاج تنطبع عليه أي بصمات حين تماس، لذلك لم تتردد مطلقاً في أن تمنح أمها التفويض الكامل باتخاذ الرأي والقرار المناسب وما تراه سعياً لإرضائها من جهة وبحثاً عن التنصل من اتخاذ قرار خطير لهذا الحد لعقل لم يعرف هذه التجارب ولم يفكر فيها حتى..

شهر كامل مضى كانت الأمور تسير فيه بسرعة والتحضيرات والوفود والزغاريد حتى كان الموعود الذي مضى بكل التفاصيل المملة، مضى بسعده وانفعالاته والابتسامات، بترقب الجديد، وبدقات قلب يكاد يقفز من مكانه هول الأحداث، وتخيلات القادم، وتجربة الأنثى البكر، وحكايا اختزنتها من قصص المتبرعات من الزوجات ووصايا الكبار لليلة واحدة قد تكون كل شيء، كانت مظاهر الاحتفال الكبيرة والضخمة تجذبها كثيراً من الغوص في تفاصيل ما سيأتي، كانت تتحين فرص انشغال الناس بالرقص والاحتفال وتخلو لنفسها لدقائق معدودات قبل أن ينتشلها صوت التبريكات فتمد يدها مبتسمة لترد التحية والمباركة، تمنت للحظات أن لا ينتهي هذا الحفل أبداً وأن يستمر هكذا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لتتجنب اللحظات القاسية القادمة، تجتر في داخلها حكايا فلانة وفلانة وهما تتحدثان عن الألم الممزوج بالمتعة، عن اختلاف طبائع الأزواج في الليلة الأولى، عن المغامرات وما هو متوقع وما يمكن أن يحدث، تتمنى فقط لو تجد مخرجاً من هذه الورطة الاختيارية التي وضعت نفسها فيها، يد تجذبها وتطلب منها النزول لمشاركة الأفراح، مشوار يحفه الحبان والأصدقاء والأهل وزغاريد تملأ المكان وعيون أمها لا تكاد تفارقها تراقب مشيتها بزهو، حتى أبوها ذاك الوقور يصر على أن يتقدم الموكب مبشراً بعصاه الأبنوسية مزهواً بزواج ابنته، وانطلق البخور في كل مكان ليزحم الأجواء بالعبق ويهدي المناسبة قدسيتها وتميزها، والبساط الأحمر الممتد يضفي على المكان روعة إضافية، صوت الفنان يأتي محملاً بالشجن..

كيف أنساك وأنا في لوعة..

وإنت ملاك زاهي الروعة..

بس يا جميل حاسب وأوعى..

لأني كتير عليك بغير..

طول عمري وأيامي السبعة..

كلهم سعيد بهذا، ووحدها كانت تتنقل ما بين العيون علها تجد منفذاً، ابتساماتها التائهة كانت تحشو الكاميرات بالجمال الذي يزين وجهها، وتوثق ليوم لا يتكرر أبداً في حياة الإنسان، ولكن الكاميرات لا تخترق الدواخل ولا تصور الأنفعالات داخلها، فتمضي في مشوارها بحثاً عن زاوية أخرى وابتسامة جديدة أو عيون ساحرة..

لم يكن زوجها بأقل توتراً منها فقد كان يستخدم منديله باستمرار لتجفيف العرق، ولتلقي التهاني التي لا تنتهي، بعضها مقتضب والآخر بحماس أصيل، هو في رحلة مستمرة ما بين حمل على أعناق الأصدقاء وما بين حوارات جانبية هامسة للمقربين منه، وفوق ذلك حوار هامس مع زوجته الجديدة بجانبه الموشحة بالزفاف الأبيض الجميل، ثرثرات بلا موضوع محدد إلا من باب كسر الروتين، والزمن يمضي وينتهي الحفل الفخيم، لتبدأ تفاصيل جديدة وطقوس مفروضة وتقاليد لا بد منها لتبدأ دوامة جديدة قبل معركة الحسم.. الآن انتهى كل شيء وبدأت رحلة الذهاب إلى الفندق لقضاء الليلة الأولى في الحياة الجديدة، لوهلة استلقيا على السرير في صمت متحفز وكأنهما يمتصان توترات الساعات والأيام الماضية، هي تتمنى أن لا ينتهي هذا الصمت وهو يفكر في طريقة يخترق بها هذا الجمود، وكلاهما ينظر إلى نقطة وهمية في فضاء ما، تقرب منها ببطء وانكمشت عنه بحدة، كانت الغرائز تتخذ موقعها في المعركة الجديدة ومع كل تقارب تذوب فواصل الجليد نحو الاستسلام، ثم البدايات الحميمة، والخوض في التفاصيل وتفاصيل التفاصيل، ورحلة ممتعة تنسكب هنا، ثم يكتشف أنها امرأة..





via منتديات مجلة أنهار الأدبية http://www.anhaar.com/vb/showthread.php?t=34985&goto=newpost

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق